محمد المختار ولد أباه

113

تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب

ممن يوثق بعربيته » ، والعلماء يعترفون أن الأحرف القرآنية تمثل المثل الأعلى في هذا النموذج ، ومع ذلك فإن صاحب الكتاب لم يضيق نطاق اللغة ، ليجعلها مقتصرة على قوالب محدودة ، بل إنه اجتهد في توسيع التعبير المقبول ، بدليل أنه زيادة على المادة التي استشهد بها ، أورد في كتابه أكثر من ألف بيت من الشعر ، ينتمي قائلوها إلى أكثر من قبيلة ، وإلى أكثر من عصر ، فبدأ تاريخيا بامرئ القيس ، وانته بجرير والفرزدق اللذين ماتا بعد انتهاء القرن الأول . كما أنه يفهم من تصريحاته ميوله للغة التي يتكلم بها الناس في عصره ، مع أنه فرق بين الكلام السليم سواء كان نثرا أن شعرا ، وبين الاستعمالات الضرورية التي لا تجوز إلا في الشعر ، مثل ما يسمى بالاكتفاء والفك في محل الإدغام ، مثل قول الشاعر : مهلا أعاذل جرّبت من خلقي * أنّي أجود لأقوام وإن ضننوا وفي ختام هذا الباب المتعلق بسيبويه نقول مع الدكتور عبد القادر المهيري : « وخلاصة القول إن الإمعان في مادة الكتاب يكشف - كما رأينا من خلال بعض النماذج - تفاوتا في توزيع المسائل على مختلف الأبواب ، وتنوعا في طرق المفاهيم وتقديمها واستنباط الأحكام وتعميمها واستعمال المصطلحات . ولذا نرى أن دراسة الكتاب من النواحي التي ذكرنا بعضها تساعد على تصور مساهمة سيبويه في بناء صرح النحو العربي وتحديد المواضيع التي لم تتناول قبله أو لم تحظ عند المتقدمين على سيبويه بالعناية الكافية وتمكن من التمييز بين شخصية المقعّد الذي وجد أحكاما جاهزة فألف بينها وبوبها تبويبا تغلب عليه الصبغة النظرية ، وشخصية الواصف الذي استنطق بعض جوانب المادة اللغوية وحللها واستنبط منها أحكاما تقتضي تبويبها على حدة أو ضمها إلى الأبواب الحاصلة بعد » « 1 » .

--> ( 1 ) أعلام وآثار من التراث اللغوي ص 51 .